فخر الدين الرازي

205

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) * . اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآيات مرة أحوال الكافرين في كيفية العقاب ، وأخرى أحوال المؤمنين في الثواب جامعاً بين الزجر والترغيب والوعد والوعيد ، فلما وصف من آمن من الكفار بما تقدم من الصفات الحسنة أتبعه تعالى بوعيد الكفار ، فقال : * ( إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله * ( إن الذين كفروا ) * قولان الأول : المراد منه بعض الكفار ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً أحدها : قال ابن عباس : يريد قريظة والنضير ، وذلك لأن مقصود رؤساء اليهود في معاندة الرسول ما كان إلا المال والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة * ( ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ) * ( البقرة : 41 ) وثانيها : أنها نزلت في مشركي قريش ، فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بماله ولهذا السبب نزل فيه قوله * ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً ) * ( مريم : 74 ) وقوله * ( فليدع ناديه * سندع الزبانية ) * ( العلق : 17 ، 18 ) وثالثها : أنها نزلت في أبي سفيان ، فإنه أنفق مالاً كثيراً على المشركين يوم بدر وأحد في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم . والقول الثاني : أن الآية عامة في حق جميع الكفار ، وذلك لأنهم كلهم كانوا يتعززون بكثرة الأموال ، وكانوا يعيرون الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالفقر ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : لو كان محمد على الحق لما تركه ربه في هذا الفقر والشدة ولأن اللفظ عام ، ولا دليل يوجب التخصيص فوجب إجراؤه على عمومه ، وللأولين أن يقولوا : إنه تعالى قال بعد هذه الآية * ( مثل ما ينفقون ) * فالضمير في قوله * ( ينفقون ) * عائد إلى هذا الموضع ، وهو قوله * ( إن الذين كفروا ) * ثم إن قوله * ( ينفقون ) * مخصوص ببعض الكفار ، فوجب أن يكون هذا أيضاً مخصوصاً . المسألة الثانية : إنما خص تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو الأموال وأنفع الحيوانات هو الولد ، ثم بيّن تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما البتة في الآخرة ، وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى ، ونظيره قوله تعالى : * ( يوم لا ينفع مال